مع حلول الشهر الكريم من كل عام يحل موعد لقائنا ، نلتقي و نتجمع علي مائدة افطار واحدة ، أحمد و محمد ، مينا و مرقص ، مائدة كبيرة ، في مكان كبير ، يحمل اسم السلام مترجم من اللغة الفرنسية ، تلك اللغة التي كتب بها اسم الكافيه ، Café de la Paix .
و في هذه المناسبة الكريمة ، اعتدت منذ عدة سنوات ، منذ أن اعتدنا تنظيم تجمع الدفعة علي مائدة افطار رمضان ، أن أوثق و أأرخ هذه المناسبة .
قد يقول قائل : و هل لديك الجديد لتكتبه ؟ ، أقول له : لا تتسرع ، و أكمل قراءة سطوري .
لست أنا بمداح ، فالمدح و المديح لا يستوف حق هذه الزمرة من الرجال ، و إنما يعرف الرجال بمواقفهم ، و المواقف هنا ، فيما بين هذه النخبة ، لا تعد و لا تحصي ، هناك منها ما أعرفه ، و هناك بالتأكيد ما لا أعرفه ، فهناك مواقف عامة يطلع عليها الكل ، و هناك منها الخاصة التي ليس بالضرورة أن يطلع عليها الكل .
قبل أن أسرد لك بعض من المواقف ، دعني آخذك إلي أجواء مائدة الافطار ، قلّ العدد عن العام الماضي ، لكنه لا يقلّ بحال عن عدد أعضاء فصل واحد من فصول المدرسة ، ثلاثون فرد ، قد يقلّ ساعة الافطار ، لكن بلا شك يزيد بعده ، فلكلٍ ظروفه ، حتي العام قبل الماضي ، كانت قائمة الطعام المطروحة و التي يشرف علي اعدادها واحد من فخر هذه الدفعة ، مهندس السفن ، مهندس اللقاءات ، وائل ، يطرح إما مشويات أو فراخ ، إلا أن العام الماضي شهد تغير أو اضافة للقائمة ، أسماك ، و ذلك كان بناءً علي اقتراح من العبد لله ، لاقت الفكرة بعض الاستحسان ، لكن عند التنفيذ ، و الفضل للمهندس ، اكتسبت الأسماك قاعدة عريضة من المؤيدين ، و لما كانت مائدة هذا العام في يوم الجمعة الماضي الرابع عشر من الشهر الكريم ، كان الاكتساح ، و السيطرة للأسماك ، وليمة بمعني الكلمة ، حلقة الأسماك علي المائدة ، شعر أصحاب المشويات بالاحراج و الخجل كونهم لم ينضموا لهذه الوليمة .
كنا كالقطط لا تسمع لنا صوت نفس أثناء الأكل ، همهمة فقط لا غير ، حتي فرغنا من أكل السمكة حتي ذيلها ، تتوالي بعد ذلك المشروبات و الحلويات ، في كرم عهدناه من صاحب الضيافة الخالد درويش .
تثار الأحاديث الجماعية ، و الجانبية ، في جو من البهجة و السعادة و الألفة ، و الأخوة و المحبة ، أضف ما شئت من صفات الود و الحب ، يتخلل ذلك إلتقاط الصور للتوثيق و للتبادل ، فتنعكس النفسية علي اللقطة ، فتصبح الصورة حلوة ، و ينقضي اليوم سريعًا ، لكن اللقاء لا ينقضي ، فاللقاء القادم بإذن الله في شهر سبتمبر ، و لهذا مقام خاص .
أما عن لب الموضوع ، مواقف الرجال ، دعني أقول لك أن السر في هذه الدفعة هو الرقم ٨٧ !! .
إذا جمعت الرقمين يكون حاصل الجمع ١٥ ، خمسة عشر عامًا قضاها أعضاء هذه الدفعة سويًا ، ثلاثة أعوام حضانة ، و ست ابتدائي ، و ثلاثة اعدادي و مثلهم ثانوي ، خمسة عشر عامًا بالتمام و الكمال ، في مصنع الرجال ، في سان مارك ، أعوام قضوها في بيئة كفيلة أن تجعل منهم أخوة ، حتي و إن باعدت بينهم المسافات و الأزمنة ، التربية التي سبقت التعليم جعلت منهم ولاد ناس ، ولاد أصول ، رجال و الرجال قليل .
مع بداية الربع الأخير من العام الماضي ، أصيبت ابنتاي الكبري و الصغري علي التوالي ، الأولي بانفصال شبكي في احدي عينيها ، و الثانية بارتفاع ضغط المخ مما أثر علي احدي عينيها أيضا ، كان لأطباء الدفعة تخصص عيون وقفة ، تابعوا الحالتان علي التوالي ، هناك من أدلي برأيه العلمي ، و هناك من تابع و كشف في عيادته الخاصة ، و تابعوا و مازالوا ، بكل اهتمام و حرفية ، أطباء و لله الحمد لهم شأن في طب العيون ، كريم صبري ، هاني وجدي ، حازم قنديل .
و يشاء الله أن أشعر بوعكة صحية قبيل الشهر الكريم هذا العام ، استشعرت فيها الخطر علي صحتي ، فكان المجال الطبي هذه المرة هو القلب ، و لأن هذه الدفعة مميزة ، فقد حباها الله بالمتميزين ، و المتميز هنا رئيس قسم القلب جامعة الاسكندرية دكتور محمد لطفي ، ما إن علم بحالتي حتي استدعاني علي الفور في عيادته ، أجري الفحوصات اللازمة ، من ثم التحاليل ، و تعديل نوعية الأدوية ، حتي اطمئن علي حالتي ، و أبلغني قائلا : انت في الضمان ، ماتخافش ..
قد تقول : هذا واجب الطبيب ، أقول نعم بكل تأكيد ، ليس كل الأطباء ، خاصة في هذا الزمن الذي نعيشه الآن ، و أقول أن رجال سان مارك مختلفون ، و أقول رجال دفعة ٨٧ أكثر اختلافًا و تميزًا ، و تفوقًا في مجال عملهم .
شكرا لكل رجل من رجالات هذه الدفعة ، شكرا لكل فرد بالاسم و الفعل ، ليس بين الأخوة شكر أعلم هذا ، لكننا نشكر بعضنا البعض علي وجودنا في حياة بعضنا البعض ، دفعة لها حكاية ، و الحكاية لا تنتهي ، دمتم بخير و إلي حكاية جديدة إن شاء الله .