مقال

التبذير و الإسراف

كتب عاصم صبحي

عن التبذير و الإسرافي

فرضت عليّ الظروف الاقتصادية الراهنة المتمثلة في ارتفاع تكاليف الحياة اليومية ، و غلاء أسعار كافة السلع الأساسية منها و الترفيهية بشكل مستمر ، و ارتفاع مستويات التضخم بشكل غير مسبوق ، و ما أتبع ذلك من اتباعي لأسلوب إنفاق مادي غاية في التقشف و الاقتصاد ، فرض كل ذلك سؤال توجهت به لنفسي : هل كنت مبذرًا و مسرفًا في نفقاتي الشخصية و العائلية ؟! ، مع العلم أنني أنتمي إلي فئة الطبقة المتوسطة من فئات و طبقات الشعب المصري المختلفة !..
و قبل أن أستطرد في حديثي ، أستعيذ بالله العليّ العظيم من التبذير و الإسراف ، فعز من قال في محكم آياته :” إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ” آيه ٢٧ سورة الاسراء .
و هو سبحانه من قال :” وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ” آيه ٣١ سورة الأعراف .
و جاء الإسراف في مواضع عدة من القرءان الكريم ، منها وصف فرعون في الآيه ٣١ من سورة الدخان :” مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ” .
و قبل أن أمحص فكرة تبذيري و إسرافي من عدمه إذا بسؤال آخر لكن ذو صبغة فلسفية عميقة ، ألا و هو : و هل كنت مبذرًا و مسرفًا معنويًا و عاطفيًا ؟!..
التبذير و الإسراف المادي و المعنوي و العاطفي هما أنماط من السلوكيات التي قد تؤثر سلبًا علي الفرد و المجتمع ، لكن ما هي الآثار الضارة لهذه السلوكيات ، و ما السبيل للتخلص منها ؟!.
دعنا نعرف إذًا .. التبذير هو استخدام الموارد بشكل غير مسؤول أو غير مناسب ، يمكن أن يتضمن ذلك إضاعة المال أو الموارد الطبيعية أو الطعام أو الوقت .
من ناحية أخري فإن الإسراف هو استخدام الموارد بشكل زائد أو فائض ، فيمكن أن يؤدي الإسراف إلي عدم التوازن في الحياة و النفقات الزائدة في الوقت و المال .
مما لا شك فيه أن للتبذير و الإسراف آثار سلبية علي الفرد و المجتمع ، تشمل هذه الآثار الضرر المالي ، و الضغط علي الموارد الطبيعية ، و زيادة الديون ، مما ينعكس سلبًا علي الرضا العام ، بالإضافة إلي ذلك ، قد تؤثر هذه السلوكيات علي العلاقات الشخصية و النفسية ، و تؤدي إلي الإرهاق و التوتر .
و ما السبيل إذًا للتخلص من هذه الآثار السلبية ؟! ، علي المستوي الشخصي يمكن اتباع بعض الإجراءات مثل إنشاء ميزانية شخصية ، و التفكير المتزن في الشراء و استخدام الموارد ، و تطوير القدرة علي اتخاذ قرارات حكيمة .
أما من الناحية المجتمعية ، فيمكن إتاحة الفرص الضرورية للتعليم و التوعية حول أهمية إدارة الموارد بشكل مسؤول للحفاظ علي إستدامة المجتمع .
بالنظر إلي الوضع الراهن ، غالبًا ما يصادف الأفراد و المجتمعات ظاهرة التبذير المادي ، التي تشير إلي إستهلاك الموارد و المال بطرق غير ضرورية أو مفرطة ، مما قد يكون مدمرًا للأفراد و البيئة و الاقتصاد بشكل عام .
و من الأسباب الشائعة للتبذير المادي :
١) ثقافة المستهلك : تشجيع المجتمع علي الإستهلاك المفرط و المتسلسل يمكن أن يؤدي إلي التبذير المادي ، و يتجلي ذلك في رغبة الأفراد في امتلاك أحدث التقنيات و الأزياء و المواد الفاخرة دون أخذ الحاجة الفعلية في الإعتبار .
٢) ضغوط المجتمع و الإعلانات : يتم تعزيز التبذير المادي من خلال ضغوط المجتمع و الإعلانات التي تحث الأفراد علي شراء المنتجات التي لا يحتاجون إليها بالفعل ، فنسقط في فخ ” الفشخرة ” .
هذا كان عن الأسباب ، فماذا إذًا عن التأثير الاقتصادي و الاجتماعي للتبذير المادي ؟! . بالنسبة للتأثير الاقتصادي فإن التبذير المادي يتسبب في إهدار الموارد المالية و المواد التي يمكن استخدامها بشكل أفضل في القطاعات الأكثر احتياجًا ، مثل التعليم و الرعاية الصحية و البنية التحتية .
أما التأثير الاجتماعي ، فيؤدي التبذير المادي إلي إنشاء ثقافة استهلاكية فاحشة و مرتبكة، كما إنه يزيد من الفجوات بين الأفراد الذين يمتلكون و الذين لا يمتلكون ، مما ينعكس سلبًا علي السلوكيات الاجتماعية و العلاقات الشخصية .
كان من الطبيعي إذًا أن أطرح علي نفسي الشق الثاني من السؤال ، و هو الشق الفلسفي العميق ، فالأمر ليس مقتصرًا فقط علي الجانب المادي عندما نتحدث عن التبذير و الإسراف ، لكن يشمل أيضًا الجوانب المعنوية و العاطفية .
و ما أنماط التبذير المعنوي ؟ ، التبذير المعنوي يمكن أن يستخدم لوصف مجموعة من السلوكيات و العادات المضرة في الحياة اليومية ، مثل الإهمال و التقاعس ، و العزلة الاجتماعية ، و الإنغماس في الهواتف الذكية ، فالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي أو الإنخراط في الأنشطة الغير منتجة قد يعتبران أنماطًا من التبذير المعنوي .
بالتالي فإن التبذير المعنوي يمكن أن يؤثر سلبًا علي الصحة العقلية و العاطفية بطرق مختلفة ، قد يؤدي الإهمال و التقاعس إلي شعور بالفشل و فقدان الثقة بالنفس .
أما العزلة الاجتماعية و التراجع عن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية الصحية فيمكن أن يؤدي إلي الشعور بالوحدة و الاكتئاب .
لذلك فمن الضروري التعامل بحذر مع التبذير المعنوي ، و السعي للتوازن في جوانب الحياة المختلفة ، من خلال العمل علي تحقيق التوازن بين العمل و الإسترخاء ، و الإستفادة من العلاقات الاجتماعية الصحية ، و تنمية وقتك و مواردك الشخصية بشكل إيجابي ، يمكن تقليل آثار التبذير المعنوي علي الصحة العقلية و العاطفية .
هذا و يشير التبذير العاطفي إلي استنفاد المشاعر و الطاقة العاطفية بطرق غير مجدية أو غير صحية ، قد يشمل ذلك اهدار الوقت و الطاقة في علاقات غير مجدية أو أنماط تفكير سلبية و ترك الأولويات الهامة .
و للتبذير العاطفي تأثير علي العلاقات الشخصية و الصحة النفسية ، فعندما يكون لديك اتجاه للتبذير العاطفي ، قد تلاحظ أثرًا سلبيًا علي علاقاتك الشخصية و صحتك النفسية ، و قد يؤدي التبذير العاطفي إلي عدم القدرة علي التركيز علي علاقاتك الحقيقية و تجاهل الاحتياجات العاطفية للآخرين ، بالإضافة إلي ذلك ، يمكن أن يؤدي إلي الشعور بالإرهاق و الإحباط و ضغوطات الحياة الزائدة ، فمن الضروري التوازن بين العناية بالنفس و احترام الحدود العاطفية للغير .
إذًا فما من شك في أن التبذير و الإسراف المادي و المعنوي و العاطفي يمكن أن يكون لهما تأثير سلبي علي حياة الفرد و المجتمع بأكمله ، و مع ذلك هناك طرق يمكن اتباعها للحد من هذه المشكلة و تحقيق التوازن في الحياة ، أنصح بها نفسي و إياكم :
١) تخطيط الميزانية : قم بتخطيط ميزانية شهرية أو أسبوعية ، و تحديد النفقات المالية بعناية بحيث يكون لديك فهم واضح لكيفية ادارة أموالك .
٢) التحكم في الرغبات : تحكم في الرغبات الشرائية الفورية ، و التفكير في مدي الحاجة الفعلية للشراء قبل إتمامه .
٣) الإستدانة المسئولة : تجنب الديون الزائدة و تأكد من قدرتك علي سدادها .
الآن و بعد أن عرضت للموضوع بالتفصيل ، جاءت إجابتي علي سؤالي لنفسي بالنفي ، فلم أكن مبذرًا و لا مسرفًا ، الحمد لله ، بل كنت معتدلًا ، منفقًا لست ببخيلًا و لا بممسكًا ، ذلك إعمالًا لقوله تعالي :” الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ” آيه ٣ سورة البقرة .
و قوله تعالي :” وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ” آيه ٦٧ سورة الفرقان .
حفظنا الله و إياكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق